المقريزي

416

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وقع فيه ، واستعاذ بالله من قول أنا ، ولا حضر قط سماعا ، ولا أنكر على من يحضره ، وكان سلوكه صلاحا من غير إصلاح ، ويبالغ في الترفع على أبناء الدنيا ، ويترامى على الفقراء ، ويقدّم لهم الأكل ، ولم يقدّم لغنيّ أكلا البتة ، وإذا اجتمع عنده الناس ، قدّم الفقير على الغنيّ ، وإذا مضى الفقير من عنده سار معه ، وشيعه عدّة خطوات ، وهو حاف بغير نعل ووقف على قدميه ينظره حتى يتوارى عنه ، ومن كان من الفقراء يشار إليه بمشيخة ، جلس بين يديه بأدب مع إمامته وتقدّمه في الطريق ، ويقول : ما أقول لأحد افعل أو لا تفعل ، من أراد السلوك يكفيه أن ينظر إلى أفعاله ، فإنّ من لم يتسلك بنظره لا يتسلك بسمعه . وقال له شخص من خواصه : يا سيدي ادع اللّه لنا أن يفتح علينا ، فنحن فقراء ، فقال : إن أردتم فتح اللّه ، فلا تبقوا في البيت شيئا ، ثم اطلبوا فتح اللّه بعد ذلك ، فقد جاء لا تسأل اللّه ، ولك خاتم من حديد ، ومن كلامه : الفقير بحال البكر ، إذا سأل زالت بكارته ، وسأله بعض خواصه : أن يدعو له بسعة ، وشكا له الضيق ، فقال : أنا ما أدعو لك بسعة بل أطلب لك الأفضل والأكمل . وكان مع اشتغاله بالعبادة واستغراق أوقاته فيها ، لا يغفل عن صاحبه ، ولا ينسى حاجته حتى يقضيها ، ويلازم الوفاء لأصحابه ويحسن معاشرتهم ، ويعرف أحوال الناس على طبقاتهم ، ويعظم العلم ويكرم الأيتام ويشفق على الضعفاء والأرامل ، ويبذل شفاعته في قضاء حوائج الخاص والعام من غير أن يملّ ، ولا يتبرّم بكثرة ذلك ، ويكثر من الإيثار في السرّ ، ولا يمسك لنفسه شيئا ، ويستقلّ ما منه مع كثرة إحسانه ، ويستكثر ما يدفع إليه وإن كان يسيرا ، ويكافىء عليه بأحسن منه ، ولم يصحب قط ، أميرا ولا وزيرا بل كان في سلوكه وطريقه يرفع في تواضع ويعزز مع مسكنة ، وقرب في ابتعاد ، واتصال في انفصال ، وزهد في الدنيا ، وأهلها ، وكان أكبر من خبره ، ومن دعائه لنفسه ولمن يسأل له الدعاء : اللهم بعّدنا عن الدنيا وأهلها ، وبعّدها عنا ، وما زال على ذلك إلى أن مات آخر ليلة أسفر صباحها عن الثامن من شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وستمائة ، وترك ولدين ليس لهما قوت ليلة ، وعليه مبلغ ألفي درهم دينا ، ودفن بجوار الجامع ، وقبره يزار إلى يومنا هذا . ذكر شطا « 1 » شطا : مدينة عند تنيس ودمياط ، وإليها تنسب الثياب الشطوية ، ويقال : إنها عرفت بشطا بن الهاموك ، وكان أبوه خال المقوقس ، وكان على دمياط ، فلما فتح اللّه الحصن على يد عمرو بن العاص ، واستولى على أرض مصر ، جهز بعثا لفتح دمياط ، فنازلوها إلى أن

--> ( 1 ) شطا : وقيل : شطاة بليدة بمصر على ثلاثة أميال من دمياط على ضفة البحر . معجم البلدان ج 3 / 342 .